الشيخ محمد رشيد رضا

515

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما ليس في منتهى القوة ولا غاية الضعف ، فكل منها يتأثر بقدر استعداده ، وتكون عاقبته السلامة ان كان أقرب إلى الصحة ، والقوة والهلاك ان كان بضد ذلك فعلم مما تقدم ان الآية لا تدل على أن الشيطان ينسي النبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما ذكر ، إما لان الخطاب فيها لغيره ابتداء - واما لان المراد به غيره وان وجه اليه على حد ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) وفائدة مثله مبالغة المؤمنين في الحذر من وسوسة الشيطان المؤدية إلى الوقوع في النهي ، وكون الأنبياء معصومين من الشرك من المسائل القطعية التي لا نزاع فيها ، فان علمهم بالتوحيد برهاني وجداني عياني وهو المعبر عنه بحق اليقين وعين اليقين ، وقد رجح هذا الوجه بهذا المثل كما ترجحه الآية الآتية يجعلها موضوع المسألة في جماعة المتقين - وإما لان الخطاب له على سبيل الفرض ، لأجل المبالغة في الزجر ، ويمكن الجمع بين هذا الوجه وما قبله ، ومن المعهود في التخاطب ان ما يقال على سبيل الفرض يدخل فيه المحال ، فهو لا يقتضي جواز الوقوع بل احتماله ، وذلك هو الأصل في الجملة الشرطية المبدوءة بان فقد قالوا إنها للشك ، وانما يأتي مثله في كلام اللّه بحسب الأسلوب العربي لبيان المراد في نفسه بصرف النظر عن القائل ، وفائدته هنا بيان كون النسيان عذرا فإن لم يقع من المخاطب فقد يقع من غيره فيكون معذورا وذهب الزمخشري مذهبا آخر في تنزيهه ( ص ) عن هذا النسيان بايراد احتمال آخر في الجملة قال : ويجوز ان يراد وان كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى - بعد ان ذكرناك قبحها ونبهناك عليه - معهم اه وقد ردوا عليه هذا الوجه لأنه بناء على قاعدة المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين ، وبناؤه عليها غير متعين ، ولا ينكر الأشاعرة ولا غيرهم ان عقل المؤمن يجزم بقبح القعود مع المستهزئين بآيات اللّه وان لم يكن العقل مستقلا بالتحليل والتحريم ، فيمكن توجيه هذا الجواز مع رد تلك القاعد ، الا ان يمنع منه التعبير بفعل الاستقبال وهو ما اعترض به ابن المنير ، ولكن كيف يخفى مثله على هذا اللغوي النحرير ؟ واستنبط العلماء من الآية ان الانسان غير مؤاخذ بما يفعله في حال النسيان بمعنى انه لا يعاقب عليه ، وإذا أكل في رمضان ناسيا لا يبطل صيامه ، لا بمعنى ان